ابن بطوطة
125
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وبخارى وترمذ ، فاشترى مائة مملوك كان من جملتهم بلبن ، فلما دخل بالمماليك على السلطان أعجبه جميعهم إلا بلبن لما ذكرناه من ذمامته ، فقال : لا أقبل هذا ، فقال له بلبن : يا خوند عالم ، لمن اشتريت هؤلاء المماليك ؟ فضحك منه ، وقال : اشتريتهم لنفسي ، فقال له : اشترني أنا لله عز وجل ! فقال : نعم وقبله وجعله في جملة المماليك فاحتقر شأنه وجعل في السقّائين ، وكان أهل المعرفة بعلم النجوم يقولون للسلطان شمس الدين : إن أحد مماليكك يأخذ الملك من يد ابنك ، ويستولي عليه . ولا يزالون يلقون له ذلك ، وهو لا يلتفت إلى أقوالهم لصلاحه وعدله إلى أن ذكروا ذلك للخاتون الكبرى أمّ أولاده ، فذكرت له ذلك ، وأثّر في نفسه ، وبعث عن المنجّمين ، فقال : أتعرفون المملوك الذي يأخذ ملك ابني إذا رأيتموه ؟ فقالوا له نعم ، عندنا علامة نعرفه بها ، فأمر السلطان بعرض مماليكه وجلس لذلك ، فعرضوا بين يديه طبقة طبقة والمنجّمون ينظرون إليهم ، ويقولون : لم نره بعد ، وحان وقت الزوال فقال السقّاءون بعضهم لبعض : إنا قد جعنا فلنجمع شيئا من الدراهم ونبعث أحدنا إلى السوق ليشتري لنا ما نأكله ، فجمعوا الدراهم وبعثوا بها بلبن إذ لم يكن فيهم أحقر منه ، فلم يجد بالسوق ما أرادوه ، فتوجه إلى سوق أخرى وأبطأ ، وجاءت نوبة السقّائين في العرض ، وهو لم يأت بعد ، فأخذوا زقّه وماعونه وجعلوهما على كاهل صبيّ وعرضوه على أنه بلبن ، فلما نودي باسمه جاز الصبي بين أيديهم ، وانقضى العرض ولم ير المنجمون الصّورة التي طلبوبها ، وجاء بلبن بعد تمام العرض لما أراد الله من إنفاذ قضائه « 24 » ، ثم إنه ظهرت نجابته فجعل أمين السقائين ثم صار من جملة الأجناد ثم من الأمراء . ثم تزوج السلطان ناصر الدين بنته قبل أن يلي الملك ، فلما ولي الملك جعله نائبا عنه مدة عشرين سنة ثم قتله بلبن واستولى على ملكه عشرين سنة أخرى كما تقدم ذكر ذلك ! وكان للسلطان بلبن ولدان : أحدهما الخان الشهيد ولي عهده ، وكان واليا لأبيه ببلاد السند ساكنا بمدينة ملتان وقتل في حرب له مع التتر « 25 » وترك ولدين كي قباد ، وكي خسرو « 26 » ، وولد السلطان بلبن الثاني يسمى ناصر الدين وكان واليا لأبيه ببلاد اللكنوتي « 27 »
--> ( 24 ) بالنظر لما ورد في المصادر التاريخية لهذا المرحلة فإن هذه الجملة - على ما يظهر - هي المعلومة الهامة في هذه القصة . بلبن كان فعلا قد اشترى في بغداد ، وأصبح الغلام المفضل وكأنه أحد أفراد عائلة السلطان . ( 25 ) هذا الولد الأول الذي يحمل اسم محمود والذي وصف على أنه نصير للعلماء والأدباء قتل أثناء غارة مغولية يوم 28 ذي الحجة 683 - 7 مارس 1285 . قبره يوجد إلى جانب قبر والده على ما أشرنا له تعليق 23 . ( 26 ) كي خسرو ( kay khusru ) الوحيد الذي كان ولدا لمحمد . معز الدين كي قباد ( kay qubad ) كان ولدا لناصر الدين الولد الثاني لبلبن وقد خلفه هذا الأخير . ( 27 ) بلاد اللّكنوتي ( laknawti ) عاصمة البنغال على ذلك العهد ، تتطابق مع الموقع الخرب : غور ( gaur ) في منطقة راجشاهي ( rajshahi ) تقع على الحدود الغربية للهند مع البانغلاديش أنظر الخريطة . ناصر الدين سمي حاكما من طرف والده بعد قمع ثورة البنغال عام 679 - 1280 .